19 أغسطس 2026

 

     مخاطر هندسة وعي الأجيال لدى الجماعة الحوثية

مقاربة من منظور علم الأعصاب وآثار الثقافة العميقة على البنية المجتمعية ومستقبل الدولة  

‎* زيد صالح سميع

 

في واحدة من أحدث وأعمق الدراسات البينية التي جمعت بين خبراء علم الاجتماع وباحثي علوم الأعصاب وتاريخ الدماغ البشري، برزت نتائج واستنتاجات تتطلب منا جميعاً الوقوف عندها بكثير من التأمل والحذر. تلخصت تلك الدراسة في أن ثقافة الإنسان — بكل ما تحمله من قيم، ومعتقدات، ونظرة كلية للحياة والوجود — تتكون من مستويات عدة، أخطرها وأعمقها على الإطلاق ما يُعرف بـ "الثقافة العميقة" (Deep Culture).

 

تتشكل هذه الثقافة العميقة في مرحلة العمر الذهبية للدماغ، ما بين سن الرابعة والثانية عشرة، ثم تنضج وتتصلب خلال فترة المراهقة. ففي هذه المرحلة، يخوض الدماغ ما يُعرف علمياً بـ "الفترة الحساسة والحرجة" (Critical/Sensitive Period)، حيث يكون في أوج مستويات "اللدونة العصبية" (Neuroplasticity)؛ إذ يتصرف النسيج العصبي للإنسان كـ "الأسمنت الرطب" الذي يمتص القيم والافتراضات الضمنية وكأنها حقيقة مطلقة، لتتصلب بنية وعيه وتنعقد عليها تلافيف دماغه تماماً.

إن هذه الثقافة العميقة هي بمثابة "النظارة الخفية" التي نرى بها العالم؛ فهي التي تحدد تعريفنا للإنسانية، وماهية السلوك الطبيعي، وكيفية اتخاذ القرارات الأخلاقية، ونظرتنا للآخر المغاير، وللمرأة، وللمعرفة، ولسُبل السعادة والرقي.

 

لقد ذهب الباحثون في طليعة هذه الدراسة إلى أبعد من ذلك؛ إذ اعتبروا أن "الثقافة العميقة" تخترق البنية النفسية للمرء لتلازمه وتحدد مصيره تماماً كما تفعل الجينات الوراثية التي تجعله طويلاً أو محدد لون البشرة. ومن هنا تكمن الخطورة: إذ تصبح محاولات تعديل هذه الثقافة أو نزعها في مراحل النضج اللاحقة جهداً عسير الاستنزاف، بل يراها البعض شبه مستحيلة. أما ما يكتسبه الإنسان بعد مرحلة المراهقة، فهو لا يعدو كونه "ثقافة سطحية أو ضحلة"؛ قشرة خارجية يسهل تغييرها وتبديلها، ما لم تكن مستمدة مباشرة من جذور الثقافة العميقة الغائرة في الدماغ.

 

تُستمد هذه الثقافة بالدرجة الأولى من البيئة الأسرية والوالدين، ثم تأتي المدرسة والمجتمع لتكملا البناء، لكنهما في الغالب لا يبدآن من صفحة بيضاء، بل يبنيان فوق الركائز العميقة التي غُرست في الطفولة المبكرة.

 

القوة الكامنة في التلقين الثقافي: شواهد علم الأعصاب والنماذج الشمولية 

 

إن الفهم العلمي لطبيعة الثقافة العميقة كشف عن حقيقة معقدة: الثقافة ليست مجرد أفكار نقتنع بها، بل هي إعادة تشكيل مادية لبنية الدماغ. وفي هذا الصدد، يوضح طبيب الأعصاب الشهير نورمان دويدج (Norman Doidge) كيف أن السلوكيات الثقافية تتصلب لتصبح "مرتبطة بشكل عميق بأدمغتنا". ويستشهد بقول عالم الأعصاب الكندي ميرلين دونالد:

 

"إن الثقافة تغير بنيتنا المعرفية الوظيفية، وهذا يعني أنه كما هو الحال مع تعلم القراءة والكتابة، يتم إعادة تنظيم الوظائف العقلية وتركيبها تشريحياً."

 

هذا التغيير التشريحي ليس مجرد وجهات نظر يمكن تعديلها بالحوار؛ بل هو تحول مجهري في هياكل الدماغ الإدراكية وعلم وظائف الأعضاء. فقد أثبتت أبحاث عالم النفس جان بياجيه مبكراً أن الأطفال من الثقافات المختلفة يتعلمون إدراك العالم بطرق مختلفة تماماً، ليؤكد علم الأعصاب الحديث أن هذا الاختلاف ليس في التفسير الظاهري فحسب، بل في الموصلات والشبكات العصبية الفيزيائية.

 

ولأن الأنظمة الشمولية أدركت القوةالكامنة في التلقين الثقافي مبكراً، فقد وظفت التلقين الثقافي كأداة هندسية لتأطير المجتمعات. يورد دويدج نموذج ((كوريا الشمالية)) كدليل صارخ على هندسة العقول؛ حيث يُنتزع الأطفال في سن مبكرة جداً (من عمر الثانية إلى الرابعة) ويُوضعون في بيئات تلقين مخصصة لغرس عبادة الزعماء والتعبئة العقائدية. إن هذا الانغماس المبكر، وفي ظل الذروة الفائقة لمرونة أدمغة الأطفال في الفترة الحرجة، يُحدث تغييرات تشريحية دائمة في شبكاتهم العاطفية والإدراكية. وتصنع هذه التغييرات الفسيولوجية فارقاً عميقاً لا يمكن سده أو تغييره بالإقناع العادي أو التعلم اللاحق في مرحلة النضج.

ويؤكد هذا المعنى عالم الأعصاب بروس ويكسلر (Bruce Wexler) في كتابه المرجعي "الدماغ والثقافة"، حيث يشير إلى وجود علاقة عكسية بين التعلم والفعل عبر مراحل العمر:

 

"نحن نتعلم أكثر عندما نكون غير قادرين على الفعل (أي كرضع وأطفال)، وبحلول الوقت الذي نتمكن فيه من التصرف، تكون قدرتنا على تغيير تشكيل الدماغ قد تضاءلت بشكل كبير."

 

فالدماغ غير الناضج يشكل نفسه فسيولوجياً وفقاً للمحفزات الثقافية لبيئته. ولذا، فإن إحداث تغييرات متأخرة في بيئة الفرد أو فرض ثقافة جديدة عليه في مرحلة النضج يُحدث اضطراباً ونشوزاً عصبيين ونفسيين هائلين (تنافراً معرفياً حاداً). فالأفكار والمعتقدات المكتسبة في الصغر ليست مجرد معارف مخزنة، بل هي ألياف وترابطات عصبية صلبة، وتغييرها من خلال برامج التوعية أو إعادة التدريب قصيرة المدى يُعد من قبيل الأوهام؛ إذ إن تعديل الوظائف العصبية يتطلب تدريباً مكثفاً ومطولاً قد يستغرق مئات الساعات لمجرد تعديل مهارة جزئية كالذاكرة، فكيف إذا كان الأمر يتصل باستجابات عاطفية عميقة قائمة على التعبئة والتكفير والخوف؟

 

تقاطع علوم الأعصاب مع الحقيقة اليمنية وهندسة وعي الجيل

 

إذا كانت الثقافة العميقة هي البصمة الجينية الإدراكية التي يُصنع بها مستقبل الشعوب، وكانت التجارب الشمولية كالتجربة في كوريا الشمالية تؤكد امكانية إعادة تفكيك أدمغة الأطفال وتركيبها، فإن فهمنا للاستعصاء اليمني وعودة الفكر الإمامي عبر الجماعة الحوثية يتجاوز مجرد التحليل السياسي أو الميداني. 

 

إن المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً في حجم السلاح الذي تحوزه الجماعة، بل في قدرتها على احتكار "معمل الهندسة العاطفية والعصبية" لأطفال اليمن عبر شقين متوازيين: التعليم العام والمراكز الصيفية.

 

في شق (المراكز الصيفية)، أوجدت الجماعة بيئة شحن عالية الكثافة تستهدف مرحلة اللدونة العصبية والفترة الحساسة؛ حيث تشير التقديرات والحصر الحقوقي إلى ارتفاع أعداد الملتحقين سنوياً من قرابة 250 ألف طفل في عام 2015 لتتجاوز 1.5 إلى 2 مليون طفل سنوياً في الأعوام الأخيرة، يتوزعون على أكثر من 9,000 إلى 10,000 مركز صيفي. وقد بلغت المشاركات التراكمية ما بين 2015 و2026 زهاء 10 إلى 12 مليون حالة تجنيد وتلقين صيفي. تشكل الفئة العمرية (4 - 12 سنة) النسبة الأكبر بـ 60% من الملتحقين، وهي السن الذهبية لطباعة المادة البيضاء لدماغ الطفل بشعارات الكراهية والتعبئة العقائدية، بينما يتم استغلال نسبة الـ 40% المتبقية (13 - 18 سنة) للتحويل الميداني والاستقطاب العسكري.

 

أما على مستوى (التعليم العام والجامعي) فقد مارست الجماعة تجريفاً هيكلياً شمل تعديل أكثر من 85% من المناهج الدراسية للمواد الإنسانية والوجدانية، وإقحام وتعديل أكثر من 450 درساً ومفهوماً عقائديين في المرحلة الأساسية وحدها، بالتوازي مع حرمان أكثر من 170 ألف معلم من رواتبهم الأساسية منذ 2016 واستبدال نحو 70% من الكادر الإداري والتربوي بعناصر عقائدية. ولم يسلم التعليم الجامعي؛ حيث فرضت مادة "الثقافة القرآنية" كمتطلب إجباري في الجامعات (2-4 ساعات أسبوعياً) لتقييد التفكير النقدي في مرحلة المراهقة والنضج الشاب. 

 

ولكم أن تتخيلوا حجم الفاجعة بالأرقام والسنوات.. حين دخل الحوثي صنعاء عام 2014، كان هناك طفل في الثامنة أو العاشرة من عمره؛ طفل بريء في ذروة تشكّل ثقافته العميقة ولدونة دماغه الإدراكي. اليوم، وبعد مرور اثني عشر عاماً من الضخ العقائدي والتعبئة الطائفية الممنهجة، أصبح ذلك الطفل شاباً في العشرين من عمره!

 

إننا لا نتحدث هنا عن مجرد فرضيات، بل عن مئات الآلاف من الشباب الذين ركّز الحوثي على إعادة تشكيل أدمغتهم، وغرس عقيدته في تلافيف وعيهم العميق، تماماً كما تفعل الأنظمة الشمولية المغلقة. هؤلاء هم "قنابل موقوتة" تعيش بيننا اليوم.. فكيف سنصنع معهم غداً؟ وكيف سنواجه أدمغة تم تفكيكها وإعادة تركيبها لترى الخرافة حقاً، والتعدي على الدولة جهاداً؟ إلى هنا ويكفي! لا تكثروا أعداد من سيكونون لكم خصوماً عقائديين في المستقبل قبل أن يفوت الأوان.

 

إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط بقاء الحوثي اليوم، بل يعني صناعة "بيئة حاضنة صلبة" وثغرة أمنية وفكرية دائمة داخل الجسد اليمني. ثغرة جاهزة للاستغلال مستقبلاً من قبل أي مشروع إمامي أو طائفي جديد — حتى لو ذهب الحوثي وجاء غيره باسم آخر أو شعار هاشمي جديد — لأن المادة الخام (الثقافة العميقة للجيل) قد أُعدت وجهزت بالكامل بالنيابة عنه!

 

المخاطر والآثار المترتبة على المستقبل الوطني

 

* البنية الاجتماعية: تفكيك السلم الأهلي، ونشوء جيل يرفض التعايش والمواطنة المتساوية، واعتبار المخالف فكرياً "عدواً واجب الاستئصال".

* الهوية الوطنية: استبدال الانتماء لليمن وتاريخه وثورته بالتبعية العقائدية العابرة للحدود، وطمس الذاكرة الجمعية لصالح سرديات السلالية.

* الأمن والاستقرار: تحويل الشباب إلى "خلايا نائمة مستدامة" وبيئة حاضنة جاهزة للاستغلال مستقبلاً من أي مشروع إمامي جديد مهما تغيرت أسماؤه.

* التنمية والاقتصاد: عزل اليمن عن المحيط الإقليمي والدولي بنبذ العلوم الحديثة والتفكير النقدي، وإنتاج القوى العاملة الفاقدة للمهارات المعاصرة.

 

خارطة طريق للمواجهة العلاجية (توصيات للدولة والمؤسسات

 

لمواجهة هذا الخطر الداهم وتحرير "الدماغ اليمني" قبل فوات الأوان، يجب اتخاذ مسار استراتيجي متكامل على مسارين:

 

1. المدى القريب والتحركات العاجلة

 

* استعادة المبادرة التعليمية: إطلاق مناهج إلكترونية ومنصات تعليمية بديلة معتمدة تركز على القيم الوطنية والعلوم الحديثة لتصل لكل بيت يمني.

* المراكز الصيفية الوطنية: رعاية أنشطة بديلة للشباب والأطفال في المناطق المحررة والشتات تركز على بناء شخصية التفكير النقدي وتعزيز الهوية اليمنية.

* إعلام ذكي وموجه: صناعة محتوى موجه للأطفال والمراهقين (رسوم متحركة، برامج تفاعلية) يفكك الخرافة بأسلوب جذاب يناسب المدارك العصبية لهذه الفئات العمرية.

* إسناد الأسرة المقاومة: إطلاق أدلة تربوية وموجهات أسرية موجهة للأسر الواقعة تحت مناطق السيطرة الحوثية؛ لتمكين الوالدين من التوعية المضادة في بيئة البيت، باعتبار الأسرة السد المنيع وحائط الصد الأول الذي يحمي الطفل من اختراق التلقين الخارجي.

 

2. المدى الطويل والاستراتيجي (ما بعد التحرير/إعادة البناء)

 

* برامج التدخل النفسي والعصبي الإدراكي: تأسيس مراكز متخصصة في "إعادة التأهيل الفكري والنفسي" للشباب الذين تعرضوا للتعبئة الممنهجة، بالاستعانة بتبني أساليب العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لتفكيك التنافر المعرفي بآليات علمية هادئة تقوم على التفكير النقدي، وتجنب المواجهة الخطابية المباشرة التي تُحدث استغلاقاً دماغياً وردات فعل عكسية.

* إصلاح شامل للبيئة التعليمية: إحداث ثورة في المناهج الدراسية ترتكز على فلسفة العلوم، المواطنة المتساوية، واحترام الآخر، مع إعادة تأهيل المعلمين ليكونوا حراس الوعي الوطني.

* تمكين الأسرة اليمنية: دعم الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول عن الثقافة العميقة، عبر برامج توعية أسرية تعزز ثقافة الاستحقاق والتسامح لدى الأطفال منذ سن الرابعة.

 

 

مصادر البيانات والإحصائيات المعتمدة في المقال

 

1. Shaules, Joseph. "Deep Culture: The Hidden Challenges of Global Living": دراسة مرجعية تأسيسية تناولت مفهوم "الثقافة العميقة" والتحديات غير الواعية في النسيج الإدراكي العاطفي للدماغ البشري

2. Hofstede, Geert. "Culture's Consequences": دراسة مرجعية في علم الاجتماع والسلوك المؤسسي والأنثروبولوجيا الإدراكية حول تشكل الثقافة العميقة في الصغر

3. دويدج، نورمان. "الدماغ الذي يغير نفسه: قصص من التغلب الشخصي من حدود علوم الدماغ" (ترجمة: الدار العربية للعلوم ناشرون). كتاب مرجعي يتناول اللدونة العصبية، والتغيرات التشريحية الناجمة عن التلقين الثقافي والانغماس المبكر، واستشهادها بأبحاث ميرلين دونالد وجان بياجيه ونموذج كوريا الشمالية في هندسة أدمغة الأطفال

4. Wexler, Bruce E. "Brain and Culture: Neurobiology, Ideology, and Social Change" (2006): دراسة حول التفاعل بين الدماغ والبيئة الثقافية والصعوبة العصبية لتعديل المعتقدات المكتسبة في الصغر

5. تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة البارزين المعني باليمن (UN Panel of Experts): التقارير السنوية المرفوعة لمجلس الأمن الخاصة بتجنيد الأطفال واستغلال التعليم والمراكز الصيفية

6. تقارير منظمة ميون لحقوق الإنسان (MAYON) ونقابة المعلمين اليمنيين: تقارير حصر التجريف التربوي وتغيير المناهج الدراسية وتوثيق الانتهاكات في قطاع التعليم

7. المرصد اليمني للتعليم والتقارير الحقوقية المحلية: بيانات مسح المناهج وتعديلات المواد الإنسانية، وإحصائيات الملتحقين بالدورات الصيفية ومؤشرات استبدال الكادر التعليمي

8. بيانات منظمة اليونيسف (UNICEF) وتقرير منظمة العفو الدولية: تقارير انقطاع رواتب المعلمين وتسرب الأطفال وتوظيف البيئة التعليمية في النزاعات المسلحة

الهاشتاج
رابط الفيس بوك

حميع الحقوق محفوظة ل مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية ---- برمجة وتصميم ALRAJIHI