دور الجهاز المركزي اليمني لأمن الدولة في تحجيم التنظيمات الإرهابية
* راشد عمر باصريح
باحث في الدراسات الأمنية والعسكرية
المقدمة:-
تمكنت وحدة المهام الخاصة التابعة للجهاز المركزي لأمن الدولة من تنفيذ عملية أمنية استباقية خاطفة بوادي حضرموت بمدينة سيئون وذلك يوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 م. حيث استهدفت مقراً سكنياً كان يتوارى فيه المتحدث الرسمي لتنظيم "داعش" الإرهابي المدعو "أبو حذيفة الأنصاري". أسفرت المداهمة الدقيقة عن تحييد الهدف بشكل مباشر دون إتاحة الفرصة لإبداء مقاومة أو تفعيل آليات التفجير الانتحاري ( ) وبحسب مصادر محلية تزامن اثناء المداهمة انفجارين سمع صداها سكان قريبين من موقع الحادثة و تبين أن الانفجارات استهدفت منزلا طينيا قديما في ساحة الزاوية بحي الحوطة وقد أصيب المكنى أبو حذيفة خلال المداهمة وألقي القبض عليه قبل أن يفارق الحياة متأثرا بإصابته، وأسفرت العملية كذلك عن مقتل شخص آخر كان يقيم معه بالمنزل، وقد نفذ هذه العملية قوات خاصة مشتركة وبحسب المعلومات من أحد المقربين من الأجهزة الأمنية تحدث فيها عن مشاركة قوات من القيادة المشتركة لقوات التحالف في العملية ( ).
في هذه الورقة البحثية سوف نسلط الضوء على الجهاز المركزي اليمني لأمن الدولة من حيث التأسيس والفعالية بالإضافة إلى دلالات عملية سيئون وأبرز التداعيات المحتملة.
تأسيس الجهاز المركزي لأمن الدولة
يُعد الجهاز المركزي لأمن الدولة المؤسسة الاستخباراتية والأمنية الأرفع ضمن الهيكل الأمني الحديث للجمهورية اليمنية حيث تأسس الجهاز بموجب قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رقم (5) لسنة 2024م (الصادر في 4 يناير 2024م)، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إنهاء حالة التشتت الأمني وتوحيد جهود مكافحة الإرهاب والعمل الاستخباراتي تحت مظلة مركزية واحدة تتبع مباشرةً رئيس مجلس القيادة الرئاسي وبموجب هذا القرار، تم دمج عدة أجهزة وكيانات أمنية واستخباراتية في كيان "الجهاز المركزي لأمن الدولة" وشملت عملية الدمج ( ):
• جهاز الأمن السياسي (السابق)
• جهاز الأمن القومي (السابق)
• الكيانات الاستخباراتية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي
• الكيانات الاستخباراتية التابعة لقوات حراس الجمهورية
• الكيانات الاستخباراتية التابعة لـقوات العمالقة
وقد عُين اللواء/ محمد مصلح حميد عيضة كأول رئيس للجهاز، واللواء/ فيصل بدر محمد باجري نائباً له وقد نص قرار التأسيس على أن يكون المقر الرئيسي للجهاز في العاصمة المؤقتة عدن مع إعطاء الصلاحية القانونية لإنشاء فروع للجهاز في مختلف محافظات الجمهورية. وتتوزع الهيكلة الجغرافية والوظيفية لهذه الفروع على النحو التالي ( )
1- المقر المركزي (عدن):
يمثل مركز القيادة والسيطرة الشامل ويضم غرف العمليات المشتركة، وإدارة التحليل الاستراتيجي لمعالجة البيانات الواردة من جميع المحافظات، وهو المسؤول عن رسم السياسات الأمنية العليا والتنسيق المباشر مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي.
2-فروع المحافظات المحررة (حضرموت، مأرب، شبوة، تعز، الساحل الغربي وغيرها)
تعمل هذه الفروع كأذرع ميدانية ومعلوماتية لامركزية ترتبط بالمركز في عدن.

خريطة توضح توزيع مراكز وفروع الجهاز المركزي لأمن الدولة في جميع المحافظات المحررة
فاعلية الجهاز المركزي لأمن الدولة
من خلال العملية في سيئون فقد أثبت الجهاز المركزي لأمن الدولة نضجاً استثنائياً في عقيدته القتالية والاستخباراتية، متجاوزاً نمط الدفاع السلبي ليتبنى استراتيجية الاستباق الهجومي في البيئات الحضرية المعقدة وتتجلى فاعلية أي جهاز أمني وفق تقديرنا من خلال ثلاث دعائم تشغيلية رئيسية:
1-الرصد الاستخباراتي المتقدم. ولقد أظهر الجهاز قدرة فائقة على تتبع الهياكل المعقدة للقيادات العليا داخل المراكز الحضرية المكتظة.
2-المداهمة النوعية أو ما تسمى (التدخل الخاطف) . وقد اتسمت عمليات الجهاز، وتحديداً وحدة المهام الخاصة، بتنفيذ تدخلات سريعة يحقق عنصر المفاجأة التامة وهذا الأسلوب مكّن القوات من تحييد الأهداف عالية القيمة ومنع الانتحاريين من تفجير ستراتهم، مما حال دون وقوع أضرار جانبية بين السكان المدنيين والممتلكات.
3-تعدد بنك الأهداف. في عملية سيئون لم يقتصر فاعلية الجهاز على الجانب العسكري المباشر، بل امتدت لاستهداف رموز الخطاب التعبوي والتوجيه المعنوي للتنظيمات الإرهابية، مما أدى إلى قطع الصلات الفكرية والمالية بين القيادة العليا والخلايا الميدانية النائمة، وحرمان التنظيم من خطوط التمويل المعنوي.
دلالات عملية سيئون
تحمل عملية سيئون والعمليات المشابهة دلالات استراتيجية تعكس التحولات في موازين القوى الأمنية:
اولاً: - إسقاط الصوت الإعلامي وكسر الهالة التنظيمية ويمثل تحييد شخصية بوزن المتحدث الرسمي ضربة قاصمة لجهاز التنظيم الإعلامي الذي كان يعتمد عليه في شحذ همم المقاتلين، وبث الرسائل التحريضية واستقطاب عناصر جديدة.
ثانياً :-إثبات هشاشة التحصينات لعناصر التنظيم حيث إن اضطرار قيادي دولي بهذا الحجم للاختباء في منزل سكني متواضع يعكس مستوى اليأس العملياتي وفقدان القواعد اللوجستية المحصنة في المناطق المفتوحة، مما يؤكد نجاح الضغط الأمني في تحويل المدن إلى بيئة طاردة للقيادات الإرهابية.
ثالثاً:- تعزيز ثقة الحاضنة الشعبية وترسيخ شرعية الدولة وقد أدى هذا الأداء الأمني الاحترافي إلى قطع الطريق أمام محاولات التنظيمات الإرهابية لاستغلال أي تباينات سياسية أو فراغات أمنية محتملة كما أسهم في ترسيخ سلطة المؤسسة الأمنية الشرعية لدى السكان المحليين، جاعلاً كلفة بقاء الإرهابيين في العمق اليمني باهظة وغير قابلة للاستمرار.
المخاطر المحتملة لعناصر جهاز أمن الدولة
نظراً لطبيعة البيئة العملياتية المعقدة التي يعمل فيها الجهاز (حرب المدن والاستباق الأمني)، يواجه عناصره، لا سيما في وحدات المهام الخاصة، حزمة من المخاطر الشديدة: ( )
1-التهديدات الميدانية المباشرة: الانخراط في عمليات اقتحام في بيئات حضرية مكتظة يرفع من احتمالية التعرض للكمائن، والاشتباك من مسافات صفرية، ومواجهة الانتحاريين المزودين بأحزمة ناسفة أو مبانٍ مفخخة.
2-الضغوط العملياتية والأخلاقية: يقع على عاتق العناصر ضغط نفسي وتكتيكي هائل لضمان عدم إصابة المدنيين أثناء المداهمات، وهو ما يقيد استخدام القوة النيرانية الكثيفة ويجبر القوات على الاعتماد على التدخل الدقيق والأكثر خطورة على أرواح المنفذين.
3-الانتقام وخطر الخلايا النائمة: استهداف الرؤوس القيادية الكبرى يدفع التنظيمات الإرهابية لمحاولة تنفيذ عمليات انتقامية عمياء أو اغتيالات قد تستهدف ضباط وعناصر الجهاز أو مقراتهم لمحاولة استعادة التوازن المعنوي المفقود.
4-الانكشاف الاستخباراتي: اختراق قنوات التنظيمات يتطلب عمليات تجنيد وزرع مصادر بشرية، مما يضع هذه المصادر وعناصر الرصد الميداني في دائرة الخطر الدائم إذا ما تم كشف تحركاتهم.
5-استخدام تقنيات متطورة من قبل العناصر الإرهابية يوازي التفوق التقني لدى عناصر الجهاز.
التداعيات المحتملة
اولاً :- تأمين الظهير الجغرافي لخطوط الملاحة بحيث لا يمكن فصل استقرار الأمن الداخلي في المناطق المحررة عن معادلة الملاحة الدولية في خليج عدن والبحر الأحمر ومضيق هرمز حيث ان القضاء على التنظيمات يمنعها من استغلال الفراغ لتنفيذ تهديدات هجينة (قوارب مفخخة، مسيرات، ألغام بحرية) قد تتقاطع مع التهديدات الإقليمية الأخرى.
ثانياً :- إحباط التخادم الجيوسياسي من خلال منع تحويل الأراضي إلى منصات ابتزاز إقليمي حيث إن تحجيم هذه التنظيمات يحرم القوى الإقليمية والميليشياوية من استخدام الإرهاب "غير الدولي كورقة ضغط.
ثالثاً :-الرد العملي على الحرب الإعلامية المضللة حيث أثبت التنسيق العملياتي والنجاحات على الأرض بطلان الادعاءات والبروباغندا المضللة للتنظيمات والقوى المعادية، مما يعزز موقف الحكومة الشرعية كشريك دولي موثوق به وفاعل.
التوصيات
لتحويل المكاسب التكتيكية لـ "عملية سيئون" إلى استراتيجية أمنية مستدامة تحول دون إعادة إنتاج الخلايا الإرهابية، نوصي بالآتي:
اولاً-الارتقاء بقدرات الرصد السيبراني والتقني من خلال تزويد الجهاز المركزي لأمن الدولة بمنظومات استطلاع واعتراض تقنية متقدمة، لتمكينه من ملاحقة غرف التجنيد الرقمي وتتبع الشبكات الافتراضية التي تلجأ إليها التنظيمات بعد فقدان ملاذاتها الأرضية.
ثانياً :- ضرورة استثمار حالة الارتباك العملياتي في صفوف الميليشيات الانقلابية لتنفيذ مسح استخباراتي شامل يُحبط أي تنسيق خفي أو "تخادم تكتيكي" قد ينشأ بين الميليشيات والتنظيمات المتطرفة.
ثالثاً :- بناء شراكات أمنية دولية مستدامة من خلال الترويج إقليمياً ودولياً لفكرة أن دعم وبناء أجهزة أمنية وطنية محترفة (كالجهاز المركزي لأمن الدولة) يمثل الخيار الأقل كلفة والأكثر جدوى للقضاء على التنظيمات الإرهابية ولحماية تدفقات الطاقة والملاحة البحرية، مما يستوجب توفير دعم فني ولوجستي يتناسب مع هذا الدور الجيوسياسي الحساس.