الإعلام والخطاب العام في اليمن
صناعة الوعي أو تزييفه
* منيه محمد
مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية
ملخص الورقة البحثية
تتناول هذه الورقة البحثية المشهد الإعلامي في اليمن خلال الفترة الممتدة من عام 2011 حتى عام 2026، وتسعى إلى فهم الدور المزدوج الذي تؤديه وسائل الإعلام بين صناعة الوعي الجماهيري الحقيقي وتزييفه عبر أدوات الدعاية والتضليل. تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الإعلام اليمني قد انتقل من نموذج التعددية الصحفية النسبية إلى نموذج الاستقطاب والهيمنة على الخطاب العام، بفعل الصراع المسلح وتفتت السلطة بين أطراف متعددة. تعتمد الورقة على تحليل المضمون والمنهج الوصفي التحليلي، مستعينةً بالدراسات الأكاديمية المحكمة والتقارير الميدانية الصادرة عن مراكز بحثية دولية ومحلية. توصلت الدراسة إلى أن الفضاء الإعلامي اليمني بات مسرحاً لحرب سردية شاملة تنتج جمهوراً مستقطباً، وتؤدي إلى تآكل الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات فرعية مذهبية ومناطقية وقبلية.
الكلمات المفتاحية: الإعلام اليمني، الخطاب العام، صناعة الوعي، تزييف الوعي، الحرب الإعلامية، الاستقطاب، التضليل الإعلامي، الهوية الوطنية.
مفهوم الوعي وتزييفه:
يُعدّ مفهوم "الوعي" من أكثر المفاهيم حضوراً في الفلسفة الاجتماعية والسياسية، وقد تجاوز نطاق الفلسفة المجردة ليصبح مشتبكاً مع واقع الحياة السياسية والإعلامية. يُقصد بـ"صناعة الوعي" في سياق هذه الورقة: العملية المنظمة التي تقوم بها وسائل الإعلام والمؤسسات الاتصالية لتشكيل قناعات الجمهور وبناء تصوراته عن الواقع المحيط به، وذلك بما يخدم الحقيقة ويعزز الفهم النقدي للمجتمع والمواطن. في المقابل، يُقصد بـ"تزييف الوعي": توظيف الإعلام أداةً لتشويه الحقائق وبناء صورة مضللة عن الواقع، تُبرَّر من خلالها الهيمنة وتُكرَّس أيديولوجيات بعينها.
في السياق اليمني، تكتسب هذه المفاهيم راهنيةً حادة، إذ يتحول الإعلام إلى أداة للتحريض وتكريس الانقسام لا للتواصل والتنوير. وقد وثّقت دراسة أكاديمية محكمة نُشرت في مجلة الجزيرة لبحوث الاتصال عام 2023 أن الإعلام اليمني يمثل "حالة فريدة متطرفة في الاستقطاب السياسي للهيمنة على الخطاب العام والتحكم في الفضاء العمومي". هذا التوصيف يُلخّص الجوهر الإشكالي الذي تسعى هذه الورقة إلى استجلائه وتحليله.
نظريات الإعلام في مناطق النزاع :
تتمايز وظائف الإعلام وسياقاته في أوقات النزاع المسلح عن سياقات السلم تمايزاً جوهرياً. وقد رصدت الدراسات المتخصصة في "صحافة الحرب" ، جملةً من الأنماط المتكررة في الأداء الإعلامي خلال النزاعات، أبرزها: الانحياز للطرف المُموِّل، وتبسيط السياق المعقد، وإبراز الأعمال العسكرية على حساب المآسي الإنسانية، واستهداف عقول الجمهور بدلاً من استنارتها.
في مقابل صحافة الحرب التقليدية، برز مفهوم "صحافة السلام" ، الذي يدعو إلى نهج إعلامي يُعلي من شأن الحلول والتفاوض، ويكشف عن الأسباب العميقة للنزاع بعيداً عن التحريض. وتُشير الأدلة الميدانية في اليمن إلى أن الفضاء الإعلامي يفتقر افتقاراً شديداً لنماذج صحافة السلام، حيث تهيمن لغة التعبئة والإقصاء على معظم منابر الطرفين المتصارعين.
أما نظرية "الأجندة الإعلامية"، لماكسويل ماكومبز ، فتُسهم في تفسير كيف تُحدد وسائل الإعلام ما يجب أن يُفكر فيه الجمهور حتى إذا لم تتمكن من التحكم الكامل في طريقة تفكيره. وفي الحالة اليمنية، تُشير الدراسات إلى أن كل طرف يضع أجندته الخاصة بما يُكرّس سرديته ويُهمّش سردية الخصم، مما يجعل مسألة الحرية الإعلامية مسألةً وهمية في ظل قيود هيكلية عميقة.
الخطاب العام ووظائفه الاجتماعية :
يُعرَّف الخطاب العام بوصفه مجموع الخطابات الرمزية والرسائل الاتصالية التي تتداولها المجتمعات للتعبير عن قيمها ومواقفها وتصوراتها للعالم. ويرتبط هذا المفهوم ارتباطاً وثيقاً بما أسماه يورغن هابرماس "الفضاء العام" ، أي المجال الذي تتشكل فيه الآراء والمواقف من خلال نقاش حر ومتكافئ. غير أن هابرماس نفسه أشار إلى تراجع هذا الفضاء أمام منطق التشيؤ والمصالح التجارية والسياسية.
في السياق اليمني، يواجه الخطاب العام تحديين متزامنين: الأول هو هيمنة الأطراف المتصارعة على وسائل الإعلام وتحويلها إلى منابر دعائية، والثاني هو الانقسام الهيكلي للمجتمع اليمني ذاته على خطوط مناطقية ومذهبية وقبلية عمّقها الصراع العسكري. وقد أفرز هذا الواقع ما يمكن تسميته بـ"أزمة الخطاب العام اليمني"، حيث يغيب المجال المشترك للنقاش الوطني الجامع ويحل محله سرديات متوازية ومتنافسة لا تلتقي.
ولا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن السياق البنيوي الأشمل، فقد أوضح تحليل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أن الصراع اليمني الذي بدأ كصراع سياسي وقبلي داخلي على السلطة تحوّل تدريجياً، بعد التدخل العسكري للتحالف في مارس 2015، إلى خطاب ذي نبرة طائفية حادة متصاعدة .وهو ما جعل الخطاب الإعلامي وقوداً للنار لا أداةً لإطفائها.
بيئة الإعلام اليمني في سياق الحرب واثرها على الخطاب العام :
شهدت البنية السياسية والاجتماعية في اليمن منذ أواخر عام 2014 تحولاً جذرياً لم تتوقف ارتداداته عند تخوم الصراع المسلح أو تفاقم الكارثة الإنسانية، بل امتدت لتحدث اختراقاً عميقاً في بنية "المجال العام" ومنظوماته الإعلامية التي أصبحت تعيش حالة من الاستقطاب الوجودي غير المسبوق. وفي هذا المخاض العسير، لم يعد الإعلام اليمني مجرد ناقل للأحداث أو مرآة عاكسة للواقع، بل انزلق ليصبح جبهة موازية وأداة استراتيجية من أدوات الحرب، حيث جرى توظيف الكلمة والصورة ضمن آليات "التعبئة والحشد" التي تستهدف إعادة هندسة الوعي الجمعي وفقاً لخطوط التماس العسكرية والسياسية. إن هذا التحول البنيوي قد أنتج بيئة إعلامية متشظية، غادر فيها العمل الصحفي مربعات المهنية المستقلة ليلتحق بمشاريع الهيمنة وتكريس الانقسام، مما أدى بالضرورة إلى تسميم الخطاب العام بلغة إقصائية تعلي من شأن الهويات الفرعية والمناطقية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. ومع تآكل هوامش الحرية وسيطرة سلطات الأمر الواقع على تدفق المعلومات، تحول الفضاء الإعلامي من ساحة للحوار المجتمعي إلى منصة لتوليد خطابات الكراهية وتزييف الوعي الممنهج، الأمر الذي جعل من "حرب الكلمة" وقوداً لاستدامة النزاع وعائقاً جوهرياً أمام أي فرص لترميم النسيج الاجتماعي أو التأسيس لسلام مستدام يقوم على أسس معرفية وحقوقية سليمة.
اثرها على الخطاب العام :
إن الأثر الذي خلفته البيئة الإعلامية المتشظية على بنية الخطاب العام في اليمن لم يقتصر على كونه انعكاساً لحظياً للأحداث، بل تحول إلى قوة هيكلية أعادت صياغة الأولويات المجتمعية وأنماط التفكير الجمعي. فقد انتقل الخطاب العام من "الفضاء التداولي" الذي يسعى للوصول إلى مشتركات وطنية، إلى خطاب "خندقي" يقوم على ثنائيات حدية (نحن مقابل هم)، مما أدى إلى تآكل مفهوم المصلحة العامة لصالح السرديات الفئوية. ويمكن رصد تجليات هذا الأثر في عدة مسارات جوهرية؛ أولها هو "تطبيع الإقصاء ولغة الكراهية"، حيث ساهمت وسائل الإعلام في تحويل المصطلحات المناطقية والمذهبية من هوامش الخطاب إلى متنه الرئيسي، مما جعل التحريض ضد الآخر "فعلاً مقبولاً" بل وواجبًا وطنيًا في نظر الأطراف المتصارعة، وهو ما أدى بدوره إلى خلخلة النسيج الاجتماعي وتدمير قيم التعايش.
علاوة على ذلك، أحدثت هذه البيئة ما يمكن تسميته بـ "تزييف الوعي المعلوماتي"؛ إذ أدى التدفق الهائل للمعلومات المضللة وتوظيف الذباب الإلكتروني إلى خلق حالة من "الضبابية المعرفية" لدى المتلقي اليمني، فبات الخطاب العام غارقاً في الشائعات ونظريات المؤامرة، مما أفقد المجتمع القدرة على النقد الموضوعي للسياسات أو المساءلة الحقوقية. وفي هذا السياق، تراجعت القضايا التنموية والحقوقية الكبرى، مثل قضايا التعليم والصحة وحقوق الفئات المستضعفة، لتفسح المجال أمام خطاب "عسكري" يمجد القوة ويبرر الانتهاكات تحت ذريعة المصلحة العليا للصراع.
كما برز أثر ثالث شديد الخطورة يتمثل في "عسكرة اللغة"؛ حيث تشبع الخطاب اليومي لليمنيين بمفردات حربية وعدائية استُمدت من الرسائل الإعلامية الممنهجة، مما أدى إلى خفض حساسية المجتمع تجاه العنف الرقمي والجسدي على حد سواء. إن هذا التحول في بنية الخطاب لم يكتفِ بتسميم الحاضر، بل وضع عقبات جسيمة أمام المستقبل؛ إذ أن إعادة ترميم الخطاب العام وتخليصه من رواسب التحريض تتطلب جهداً يتجاوز وقف إطلاق النار العسكري إلى ضرورة صياغة "عقد إعلامي واجتماعي" جديد، يستعيد وظيفة الكلمة كأداة للبناء والوحدة بدلاً من كونها معولاً للهدم والتشظي.
الاعلام وخطاب الكراهية :
تعد ظاهرة "خطاب الكراهية" النتيجة الأكثر حدة وخطورة لإفرازات البيئة الإعلامية المأزومة في اليمن، حيث تحول من مجرد تجاوزات لفظية عابرة إلى استراتيجية ممنهجة لترسيخ الانقسام المجتمعي. إن خطاب الكراهية في سياق الصراع اليمني لم يعد يكتفي باستهداف الخصم السياسي، بل امتد ليشمل الهويات المجتمعية العميقة، متخذاً من المنصات الإعلامية التقليدية والفضاء الرقمي قنوات للعبور نحو تفتيت المشترك الوطني.
ويمكن تفكيك هذا الخطاب وأثره من خلال المحاور التالية:
• مأسسة الكراهية وصناعة "الآخر" العدو: عمدت الوسائل الإعلامية التابعة لأطراف الصراع إلى صناعة "قوالب نمطية" للآخر، تقوم على نزع الصفة الإنسانية عنه وتصويره كخطر وجودي. هذا الخطاب لا يكتفي بالاختلاف السياسي، بل يستدعي المظلوميات التاريخية، والتمايزات المناطقية والمذهبية، ويقوم بشحنها وتصديرها كحقائق مطلقة، مما يشرعن ممارسات العنف والإقصاء ويجعل من المصالحة المجتمعية عملية بالغة التعقيد.
• انتقال العدوى من الفضاء الرقمي إلى الواقع: لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تسريع وتيرة خطاب الكراهية، حيث وفرت "خوارزميات الاستقطاب" بيئة خصبة لنمو غرف الصدى المنغلقة. هذا الخطاب الرقمي -الذي غالباً ما يقوده ناشطون ممولون أو حسابات وهمية- ينتقل بسرعة إلى الشارع اليمني، مترجماً نفسه إلى سلوكيات تمييزية في التعامل اليومي، أو في نقاط التفتيش، أو حتى في الخطاب الديني والتعليمي، مما يعمق الشروخ بين أبناء الوطن الواحد.
• التحريض الجندري واستهداف الفاعلين: برز في الآونة الأخيرة توجه خطير ضمن خطاب الكراهية يستهدف النساء الفاعلات في الشأن العام والحقوقيين، حيث يتم استخدام "التشهير الرقمي" والطعن في الأعراف الاجتماعية كأداة لترهيب الأصوات الداعية للسلام أو المنتقدة للانتهاكات. هذا النوع من الخطاب لا يهدف فقط إلى إسكات المعارضة، بل إلى تدمير الروابط القيمية والاجتماعية التي تحمي الأفراد في أوقات النزاع.
• غياب الأطر الرادعة وتعطيل المرجعيات القانونية: يتضاعف أثر خطاب الكراهية في ظل غياب تام للمساءلة القانونية أو الضوابط الأخلاقية للمهنة الإعلامية. ففي بيئة الحرب، أصبحت القوانين الوطنية التي تجرم التحريض معطلة أو تُستخدم بشكل انتقائي ضد الخصوم، بينما تفتقر المنصات الرقمية العالمية إلى فهم دقيق للسياق اللغوي والثقافي اليمني، مما يسمح للمحتوى التحريضي بالانتشار دون رقابة فعالة، محولاً الإعلام من أداة للتنوير إلى معول لهدم السلم الأهلي.
الخــــاتـــمة :
وبناءاً على ما سبق، يمكن القول إن الإعلام اليمني قد تحول بفعل سنوات الصراع من كونه أداة لرفع مستوى الوعي المجتمعي إلى سلاح فاعل في "حرب السرديات" التي عمقت الشروخ الوطنية. إن استعادة الدور التنويري للصحافة والخطاب العام في اليمن ليست مجرد ترف مهني، بل هي ضرورة وجودية لترميم النسيج الاجتماعي المتهالك.
ختاماً، إن الخروج من نفق "تزييف الوعي" والتحرر من "عسكرة اللغة" يتطلب إرادة جمعية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار العسكري؛ فالسلام المستدام يبدأ من نزع فتيل الكراهية في الكلمة والصورة. إن بناء "فضاء عام" حر ومشترك، يقوم على أنسنة الآخر وإعلاء قيم المواطنة على حساب الانتماءات الضيقة، هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للإنسان اليمني وحقه في معرفة الحقيقة بعيداً عن ضجيج الدعاية وأجندات التضليل.
التوصيات :
أولاً: على مستوى المؤسسات الإعلامية والمهنة
• تبني نموذج "صحافة السلام": ضرورة الانتقال من "صحافة الحرب" التي تركز على التحريض والعمليات العسكرية إلى نهج إعلامي يُعلي من شأن الحلول التفاوضية ويكشف الأسباب العميقة للنزاع بعيداً عن لغة التعبئة.
• صياغة "عقد إعلامي واجتماعي" جديد: العمل على إيجاد ميثاق شرف مهني يستعيد وظيفة الكلمة كأداة للبناء والوحدة الوطنية، ويهدف إلى تخليص الخطاب العام من رواسب التحريض والكراهية.
• الفصل بين التمويل والسياسة التحريرية: السعي نحو تقليل حدة "الانحياز للطرف المموِّل" لضمان استعادة هوامش المهنية المستقلة التي تآكلت بفعل الاستقطاب الوجودي.
ثانياً: على مستوى مواجهة خطاب الكراهية والتضليل
• تفكيك القوالب النمطية للآخر: إطلاق حملات إعلامية مضادة تعمل على "أنسنة" الخصوم السياسيين ورفض خطاب نزع الصفة الإنسانية الذي يُستخدم لشرعنة العنف.
• تفعيل آليات التحقق من المعلومات: لمواجهة حالة "الضبابية المعرفية" والتدفق الهائل للمعلومات المضللة ، يجب دعم منصات التدقيق المستقلة لمواجهة الشائعات ونظريات المؤامرة.
• حماية الفاعلين والحقوقيين: توفير بيئة رقمية آمنة تحمي النساء والنشطاء من "التشهير الرقمي" والتحريض الجندري الذي يُستخدم لإسكات الأصوات الداعية للسلام.
ثالثاً: على مستوى السياسات والوعي المجتمعي
• استعادة الهوية الوطنية الجامعة: توجيه الخطاب العام نحو القضايا التنموية والحقوقية الكبرى (التعليم والصحة) بدلاً من الخطاب "الخندقي" الذي يُعلي الهويات الفرعية (المناطقية والمذهبية) على حساب الوطن.
• نزع السلاح من اللغة: العمل على "إلغاء عسكرة اللغة" في الخطاب اليومي والإعلامي، واستبدال المفردات العدائية بمصطلحات تعزز قيم التعايش والحوار المجتمعي.
• الضغط نحو المساءلة القانونية: السعي لتفعيل الأطر القانونية (وطنياً ودولياً) التي تجرم التحريض على العنف، مع مطالبة المنصات الرقمية العالمية بفهم أدق للسياق اليمني لضبط المحتوى التحريضي.
رابعاً: في سياق الفضاء العام
• إعادة بناء "الفضاء العام" المشترك: خلق مساحات نقاشية (رقمية وواقعية) تسمح بتداول الآراء بشكل متكافئ، بعيداً عن سيطرة سلطات الأمر الواقع، لمحاولة ترميم "أزمة الخطاب العام" الذي تشتت إلى سرديات متوازية لا تلتقي