التعبئة العامة وتحول اقتصاد الحرب في اليمن:
نحو استعادة فاعلية الدولة والسيادة على الموارد
* د. يوسف شمسان المقطري
دكتوراه في اقتصاد الحرب والتعافي بعد الصراع
خبير مصرفي وسياسات نقدية.
yosef.shamsan2000@gmail.com
مقدمة
تاريخياً، لم تكن الحروب تُحسم فقط بحشد الرِجال على خطوط التماس، بل بمدى كفاءة "الرافعة الاقتصادية" التي تحول المورد المالي الشحيح إلى قوة نارية وسياسية واستراتيجية على الأرض. وفي المحطة الأخيرة من الصراع اليمني، أثار إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي، في 25 سبتمبر 2026، الداعي إلى التعبئة العامة والنفير الوطني والالتحاق بالقوات المسلحة والأمن عبر القنوات الرسمية للدفاع عن الجمهورية ومؤسسات الدولة. وتلا ذلك في 28 من الشهر نفسه موافقة مجلس النواب على إعلان التعبئة العامة، مستندًا إلى المواد الدستورية والقوانين المتعلقة بالتعبئة والاحتياط العام والدفاع المدني ومجلس الدفاع الوطني، على أن تستمر التعبئة حتى زوال أسبابها.
تساؤلات جوهرية؟
من زاوية الاقتصاد السياسي للحرب، يمكن النظر إلى التعبئة العامة في قانون الاحتياط العام ليست إعلانًا للحرب، ولا هي في ذاتها اقتصاد حرب؛ وإنما هي آلية قانونية للانتقال من تنظيم الموارد في زمن السلم إلى تنظيمها لخدمة المجهود الحربي. ولذلك فهي قد تكون المدخل المؤسسي لإعادة تشكيل اقتصاد الحرب (نظام إنتاج الموارد وتعبئتها وتخصيصها لدعم المجهود الحربي) واختبارًا لقدرة الحكومة الشرعية على إعادة تنظيم الموارد والقوة والقرار، وليست مجرد قرار ذي طبيعة عسكرية يتوقف عند حدود عدد الذين ستستوعبهم التعبئة في القوات المسلحة، أو حجم الإنفاق الذي ستضيفه إلى الموازنة.
إنما تتبلور الإشكالية في السؤال المركزي التالي: إلى أي مدى يمكن أن تسهم التعبئة العامة، في إطارها القانوني والمؤسسي، في تحويل اقتصاد الحرب في مناطق الحكومة الشرعية من اقتصاد حرب متشظٍ بين مراكز وقوى متعددة وضعف في التحصيل، إلى اقتصاد حرب مركزي تقودها مؤسسات الدولة؟
تكتسب هذه المسألة أهميتها من المفارقة الحاكمة للحرب اليمنية؛ فقد امتلكت الحكومة المعترف بها دولياً الشرعية الدولية والتمثيل الخارجي والسيادة القانونية، واحتفظت بالمناطق التي تتمركز فيها أهم الموارد النفطية والغازية، لكنها عانت في الوقت نفسه من ضعف القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية وعسكرية مركزية.
في المقابل، نشأ في مناطق سيطرة الحوثيين نمط مختلف من إدارة اقتصاد الحرب؛ إذ تركزت أدوات الاستحواذ والتخصيص والإنفاذ بدرجة أعلى في مركز قرار أحادي منحها القدرة الفعلية على تعبئة الموارد وإعادة تخصيصها وإنفاذ القرار الاقتصادي والعسكري، وهو ما يُعرف بتدابير "اقتصاد حرب الدولة" (مع التأكيد على الاتفاق في الآلية والاختلاف الجذري في الوظيفة والنتائج).
أولاً: وفرة الموارد والقدرة على تحويلها:
تُظهر تجربة الحرب اليمنية أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك القوة التي يمكن إنتاجها من تلك الموارد. فالاقتصاد لا يتحول إلى قوة حربية بمجرد وجود الإيرادات، وإنما عبر سلسلة مؤسسية مترابطة تعيد إنتاج تعبئة الموارد في حلقة تغذية راجعة تشمل(توفر الموارد وتعبئتها والتخصيص والإنفاذ ومن ثم دعم المجهود الحربي وتعزيز السيطرة والقدرة على تعبئة موارد إضافية وإعادة التغذية). وهنا يكمن أحد الاختلافات الجوهرية بين نمطي اقتصاد الحرب في اليمن:
·اقتصاد حرب متشظي أو ضعيف التحصيل (الحكومة)، تؤدي زيادة الموارد إلى تقوية مراكز القوى التي تحصل عليها بدلًا من تقوية المركز.

شكل رقم(1): تعبئة الموارد في اقتصاد الحرب: مقارنة بين التموذج المركزي والمتشظي
·اقتصاد حرب الدولة، تمر الموارد الإضافية عبر مركز قرار قادر على إعادة تخصيصها وفق أولوية واحدة، فتكون العلاقة بين الموارد والقوة أكثر مباشرة. لذا، فإن المشكلة التي واجهتها الحكومة لم تكن دائمًا في ندرة الموارد، وإنما في تجزؤ القدرة على تحويل الموارد إلى قوة مركزية.
ثانيا: اقتصاد الحرب المتشظي
يمكن وصف جانب رئيسي من تجربة الحكومة خلال سنوات الحرب بأنه "اقتصاد حرب متعدد المراكز" يحمل طابع وخصائص اقتصاد حرب الميليشيات. فوجود تشكيلات عسكرية وأمنية ومراكز نفوذ وسلطات محلية متعددة جعل الموارد موزعة بدرجات متفاوتة بين مراكز متشظية، فلم تكن كل زيادة في الإيرادات العامة تتحول بالضرورة إلى زيادة مماثلة في قوة المركز.
وهذا يعني أن الموارد، في ظل بنية مؤسسية مجزأة، قد تحمل أثرًا معاكسًا للأثر الذي يفترضه الاقتصاد التقليدي؛ فبدل أن تعمل الزيادة في الإيرادات باعتبارها رافعة للدولة، يمكن أن تصبح رافعة (لمراكز النفوذ).وقد انعكست هذه المشكلة هيكلياً على الاقتصاد الكلي نفسه. إذ أظهرت مؤشرات الإيرادات السيادية للحكومة هبوطاً حاداً عقب توقف صادرات النفط من الناتج المحلي الاجمالي، بينما ظل التجزؤ المؤسسي والنقدي داخل مكونات الشرعية عامل ضغط متواصل على المالية العامة والاستقرار الاقتصادي.إذن، لم تكن المسألة ببساطة؛ هل لدى الحكومة موارد؟ بل امتدت لتشمل المفصل الأهم: من يملك القدرة على تعبئة الموارد؟ ومن يقرر تخصيصها؟ ومن ينفذ القرار؟ ولصالح أي مركز من مراكز القوة؟
ثالثاً: عقدة المقارنة وخصوصية التجربة الحوثية:
لا يعني هذا الطرح أن اقتصاد الحوثيين هو اقتصاد حرب دولة بالمعنى القانوني، ولا أن تجربتهم تُختزل في نموذج اقتصادي ناجح بالمعنى التنموي، وإنما المقصود أن سلطة الحوثيين في صنعاء استطاعت بناء درجة أعلى من المركزية في القرار الاقتصادي والأمني وتحصيل الموارد وإعادة تخصيصها.( نمط من اقتصاد الحرب يتسم بخصائص وظيفية قريبة من اقتصاد حرب الدولة، من حيث مركزية تعبئة الموارد وتخصيصها وإنفاذ القرار، رغم الاختلاف الجوهري في طبيعة السلطة وشرعيتها القانونية والدولية). هذه المركزية تمنح اقتصاد الحرب خاصية جوهرية تتمثل في سرعة تحويل المورد إلى قرار ثم إلى فعل. فعندما تصبح السلطة قادرة على اتخاذ القرار وإنفاذه في نطاق سيطرتها، فإن كل وحدة إضافية من الموارد تُحدث أثراً أكبر على القدرة التنظيمية والعسكرية مقارنة بموارد موزعة على مراكز متنافسة.
يخطئ من يقرأ نجاح الجماعة الحوثية في إدارة اقتصاد الحرب باعتباره مجرد "قدرة على الجباية"؛ بل هو استيعاب متقدم لمفهوم "المركزية الشديدة في تعبئة الموارد وتخصيصها" لقد حافظت الجماعة على هيكل الدولة لا إيماناً بمؤسساتها، بل لتوظيف جهازها البيروقراطي والأمني كأداة قسرية لا تحتكر العنف فحسب، بل تحتكر الدورة المالية والسلعية برمتها.
في نموذج صنعاء، خضعت الشركات، الصرافون، القطاع الخاص، وموارد الأوقاف لغرفة إدارة واحدة تُسخّر المخرجات للمجهود الحربي. وبسبب هذه المرونة العالية والقدرة على إنفاذ القرار، أصبحت الرافعة الاقتصادية لديهم تعمل بمضاعف (Multipliers): أي وحدة تمويل واحدة تضخ في شرايين هذا النظام شديد المركزية تُترجم مباشرة إلى زيادات مضاعفة في القوة والجاهزية العسكرية، مُستغلة في ذلك الكتلة السكانية، الجغرافيا المقفلة، والحاجة المعيشية للناس.
على الضفة الأخرى، واجهت الحكومة الشرعية مفارقة قانونية وهيكلية قاتلة؛ إذ حازت على "السيادة الدولية والاعتراف المكتمل"، لكنها مارست في الواقع الميداني "اقتصاد حرب مبعثر". فالكيانات والتشكيلات العسكرية والسياسية المتواجدة تحت مظلتها أدارت مناطقها بمنطق الكانتونات المستقلة مالياً وإدارياً، وإن كانت شهدت تحسنا مؤخرا في توحيد مسارات الموارد لكن ما تزال مشكلات هيكلية وادارية تحول دون القدرة الكاملة على جمع الإيرادات وضبط مساراتها.
رابعاً: التعبئة العامة: تغيير حجم اقتصاد الحرب أم تغيير بنيته:
من هنا تكتسب التعبئة العامة أهميتها.فإذا كانت التعبئة تعني إضافة مقاتلين وتمويل إضافي إلى البنية القائمة، فإنها قد تؤدي ببساطة إلى:توسيع اقتصاد الحرب المتشظي (الكانتونات). أما إذا أدت إلى:توحيد الموارد والقرار والقيادة ونتج عنه توحيد الإنفاق وأدوات الإنفاذ، فإنها تنقل العملية إلى مستوى إعادة هيكلة اقتصاد الحرب. وهنا يمكن أن تتحول التعبئة العامة من مجرد إجراء عسكري إلى عملية انتقال مؤسسي من اقتصاد حرب متشظي إلى اقتصاد حرب الدولة.والفرق بين الاثنين جوهري كما هو في الشكل(1):
الأول: يعمل على تعبئة الموارد الجديدة ويوجهها نحو مراكز قوة قائمة تنتج قوة محلية وأمراء حرب.
أما الثاني؛ يجيّش الموارد لمركز الدولة لتخصيص موحد وانشاء مجهود حربي مركزي.وهذا التحول الجذري هو الاختبار الحقيقي لمفهوم التعبئة.
خامساً: مرونة اقتصاد الحرب ومعضلة دالة القوة:
تُبنى الفرضية النظرية المبسطة لفهم المسألة على أن القدرة الحربية الناتجة هي دالة في المتغيرات (الموارد، المركزية، الإنفاذ، سرعة إعادة التخصيص، الرافعة العسكرية).هذه معادلةإطار تحليلي.فإذا زادت الموارد بينما بقيت المركزية والإنفاذ منخفضين، فقد تكون الزيادة في القدرة الحربية محدودة.أما إذا زادت الموارد بالتزامن مع ارتفاع المركزية والإنفاذ وسرعة إعادة التخصيص والرافعة العسكرية، فإن أثر المورد الإضافي قد يكون أكبر بكثير.وهنا يمكن تفسير لماذا لا تكفي المقارنة بين حجم الموارد المتاحة لكل طرف.فقد يمتلك طرف موارد أكبر، لكنه لا يستطيع تحويلها إلى قوة مركزية؛ بينما يمتلك طرف آخر موارد أقل، لكنه يملك قدرة أكبر على تحويل المورد إلى قرار ثم إلى قوة.
خلصت دراساتنا الاستشرافية لبنية الاقتصاد السياسي للحرب في اليمن المنشورة عام 2025م، إلى أن "دالة القوة والمرونة" كانت باستمرار لصالح سلطة الحوثيين في صنعاء بسبب ارتفاع درجة مركزية القيادة النقدية والمالية داخل مناطق سيطرتها مقارنة بدرجة التشظي المؤسسي والمالي في مناطق الحكومة. فقد أدى التشظي إلى نتيجة عكسية؛ إذ إن كل زيادة في الإيرادات المحصلة داخل المحافظات المحررة لم تكن تُترجم إلى تقوية لمركز القرار السياسي والعسكري في عدن، بل كانت تُزيد من متانة ورسوخ الكانتونات المحلية. وتحولت الإيرادات إلى مغذٍ أساسي لتثبيت شبكات المصالح العسكرية والمدنية للكانتونات، مما جعل "المضاعف المالي" للحكومة معطلة: فضخ الأموال خارج المركز القانوني يزيد المركز ضعفاً وارتهاناً، ويمنح الأطراف الموازية قدرة أكبر على المساومة والتمرد على القرار السيادي لسلطة الشرعية المركزية.

شكل رقم: (2) العلاقة بين المرونة والناتج للاقتصاد الحوثي والحكومة الشرعية[1].
المصدر: من أعداد الباحث بستخدام برنامج متقدم ثنائي الأبعاد.
سادساً: التعبئة واستعادة السيادة على الموارد:
إن نجاح التعبئة لا ينبغي قياسه بحدود عدد المجندين أو حجم الموازنة العسكرية، وإنما بمدى نجاح الدولة في استعادة الوظيفة السيادية للموارد وتخصيصها.فالتعبئة الفعلية تستلزم، اقتصاديًا، أن يصبح للدولة قدرة نافذة أكبر على (تحصيل الإيرادات وضبط المنافذ والجمارك ومكافحة التهريب، حماية الموارد النفطية والغازية وتنظيم الإنفاق العسكري، ضبط التدفقات النقدية والمصرفية ومنع تعدد مراكز الجباية، توجيه الموارد نحو أهداف وطنية محددة وإخضاع القوة المسلحة لقرار مؤسسي واحد). بهذا المعنى فإن التعبئة العامة الناجحة اقتصاديًا ليست تعبئة للأفراد فقط؛ وإنما تعبئة للسيادة الاقتصادية نفسها.وإن كان هذا التحول لا يخلو من مخاطر استدامة البنية العسكرية.
سابعاً: التعبئة العامة بين منافع تحول اقتصاد الحرب وخطر الاستدامة:
إن التحول من اقتصاد الحرب المتشظي إلى اقتصاد حرب الدولة ليس غاية بحد ذاته؛ فقد يكون اقتصاد الحرب المركزي أكثر قدرة على تعبئة الموارد واستدامة الحرب، لكنه يصبح خطيراً إذا تحولت المركزية الاستثنائية إلى بنية دائمة، أو أفرزت مراكز وأمراء حرب جدداً يستنزفون أموال الدولة تحت مسمى "المجهود الحربي" كما حدث في الحروب الست. حيث تشير بعض التقديرات (الأصلاح نت) إلى أن تكلفة الحربين الأولى والثانية بلغت نحو 525 مليار ريال يمني، ما يعادل 2.7 مليار دولار(1$/191ريال-2005م)، لقتال في مساحة لم تتجاوز 5% إلى 20% من صعدة، وخلال فترة زمنية محدودة لم تتجاوز أربعة أشهر للحربين.
فالهدف النهائي ليس بناء اقتصاد حرب أكثر كفاءة، وإنما توظيف المركزية الاستثنائية لرفع قدرة الشرعية لاستعادة الدولة، ثم الانتقال منها مباشرة إلى "اقتصاد التعافي". ولهذا ينبغي أن تبدأ، بالتوازي مع التعبئة، صياغة إعادة هندسة استراتيجية الخروج من اقتصاد الحرب؛ أي عبر استعادة السيطرة على الموارد، وتوحيد المؤسسات، واستعادة الإنتاج، ومن ثم خفض الاعتماد على الإنفاق العسكري من خلال الدمج والتسريح والتاهيل، لإعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار والخدمات. وإلا فقد تتحول التعبئة من أداة لتفكيك اقتصاد الحرب المتشظي إلى أداة لإعادة إنتاجه في صورة أكثر مركزية واستدامة.
ثامناً: من اقتصاد الحرب المتشظي إلى اقتصاد حرب الدولة:
يمكن فهم التحول المحتمل لدى الحكومة الشرعية باعتباره انتقالًا بين نمطين:اقتصاد الحرب المتشظي:من أهم خصائصه: موارد موزعة، مراكز قوة وقرارات متعددة، تخصيص متنافس واستقطاب، تقوية الاطراف وإضعاف المركز) مقابله:اقتصاد الحرب المركزي (دولة) من أهم خصائصه: موارد مجمعة وموحدة، مركز قرار وأدارة موحدة، تخصيص موحد وإنفاذ سيادي، مجهود حربي مركزي وتعزيز قدرة الدولة). ولكن يجب ألا يختلط هذا التحليل بالقول إن الحكومة الشرعية ستصبح نسخة من سلطة الحوثيين. فالشبه المحتمل هنا هو شبه في آلية تعبئة الموارد والمركزية التنظيمية، وليس في طبيعته وهدفه.فالفرق الحاسم هو:لصالح من تُعبّأ الموارد؟ وتحت أي سلطة؟ ولأي غاية؟
إذا كانت تعبئة الدولة تهدف إلى استعادة احتكار الدولة للقوة والموارد ثم الانتقال إلى السلام والتعافي، فإن المركزية تكون أداة لاستعادة الدولة.أما إذا أصبحت المركزية غاية بذاتها واستمرت آليات الحرب بعد زوال مبرراتها، فإن اقتصاد الحرب يكون قد انتقل من التشظي إلى المركزية كما هو عليه في سلطة الحوثيين دون أن يتحول إلى التعافي.
تاسعاً: التعبئة العامة وأبعاد التحول نحو التعافي الاقتصادي:
لا يقتصر تعدد أبعاد تأثير التعبئة العامة على الجانب العسكري والمجهود الحربي، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية ومالية ونقدية وخدمية وإنسانية، تتكامل فيما بينها لتعزيز فاعلية الدولة وقدرتها على إدارة الموارد في ظل الحرب، وتهيئة الظروف اللازمة للتحول نحو الاقتصاد الطبيعي، وذلك على النحو الآتي:
1-البعد الاقتصادي: يتمثل في تعبئة الموارد الاقتصادية المتاحة وإعادة توجيهها وفق أولويات المواجهة الوطنية، مع الحفاظ على القاعدة الإنتاجية وضمان استمرار النشاط الاقتصادي، والحد من استنزاف الموارد وتراجع الإنتاج، بما يحقق التوازن بين متطلبات الحرب واحتياجات الاقتصاد المدني.
2-البعد المالي: يتمثل في تعزيز قدرة الحكومة على توحيد الإيرادات العامة وتنسيق الإنفاق وضبط مصادر التمويل، والحد من تعدد مراكز التحصيل والإنفاق خارج الموازنة، بما يسهم في ترشيد استخدام الموارد، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتوفير التمويل اللازم للمجهود الحربي والالتزامات الحكومية.
3-البعد النقدي: يتمثل في تنسيق السياسات المالية والنقدية، والحد من الضغوط التضخمية الناجمة عن تمويل الحرب، وحماية قيمة العملة واستقرار النظام المصرفي، بما يحافظ على الثقة بالمعاملات النقدية ويحد من التداعيات الاقتصادية للتعبئة.
4-البعد الخدمي: يتمثل في الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم والمياه والكهرباء، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتحقيق التوازن في تخصيص الموارد بين متطلبات المجهود الحربي واحتياجات المؤسسات الخدمية، بما يعزز حضور الدولة وقدرتها على أداء وظائفها.
5-البعد الإنساني: يتمثل في الحد من الآثار الإنسانية والاجتماعية للتعبئة والحرب، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان استمرار المساعدات الإنسانية، وصون سبل العيش والحقوق القانونية، بما يعزز صمود المجتمع ويحافظ على قدرته الإنتاجية.

شكل رقم(3): مخطط الأبعاد المتكاملة للتعبئة العامة ومسارات تعزيز فاعلية الدولة.
المصدر: من أعداد الباحث
تتداخل هذه الأبعاد في تحديد مدى قدرة التعبئة العامة على إحداث تحول مؤسسي في اقتصاد الحرب، من تعدد مراكز السيطرة على الموارد إلى إدارة أكثر تنسيقًا تقودها مؤسسات الدولة، بما يعزز قدرتها على تلبية متطلبات المواجهة، ويحافظ على استمرارية وظائفها الاقتصادية والخدمية، ويهيئ الظروف للانتقال التدريجي من اقتصاد الحرب إلى الاقتصاد الطبيعي.
عاشرًا: سيناريوهات التحول الاقتصادي:
يمكن استشراف سيناريوهات التحول الاقتصادي في مناطق الحكومة الشرعية انطلاقًا من فرضية أن التعبئة العامة قد تمثل مدخلًا للانتقال من اقتصاد الحرب المتشظي إلى اقتصاد حرب الدولة، وصولًا إلى تهيئة الظروف للتعافي الاقتصادي. وتستند هذه السيناريوهات إلى التفاعل بين متغيرين رئيسيين: قدرة الحكومة على توحيد مراكز السلطة والموارد والقرار، وقدرتها على إدارة التحول الاقتصادي والمؤسسي. وفي ضوء ذلك، يمكن تصور أربعة سيناريوهات:
1-سيناريو إعادة إنتاج اقتصاد الحرب المتشظي وتوسّعه: يفترض استمرار تعدد مراكز النفوذ المالي والعسكري، واستخدام أدوات التعبئة القائمة على الكانتونات، بما يؤدي إلى استنزاف الموارد السيادية، وتعميق التجزؤ المؤسسي، وإضعاف سلطة الدولة، وتفاقم الاختلالات الاقتصادية والمالية والخدمية والإنسانية. ويرتبط هذا السيناريو باستمرار ضعف التنسيق المؤسسي وغياب آليات موحدة لتعبئة الموارد وإدارتها.
2-سيناريو التحول الجزئي إلى اقتصاد حرب الدولة: يقوم على تحقيق تقدم محدود في توحيد المؤسسات ومصادر الإيرادات، وتحسين التنسيق المالي والعسكري، مع استمرار استقلالية بعض مراكز النفوذ. ويتيح هذا المسار للتعبئة العامة تعزيز قدرة الحكومة على إدارة جزء من الموارد، دون إحداث تحول شامل في بنية اقتصاد الحرب، نتيجة استمرار القيود السياسية والمؤسسية والمالية.
3-سيناريو التحول المؤسسي إلى اقتصاد حرب الدولة: يفترض نجاح الحكومة في توحيد إدارة الإيرادات والإنفاق، وتعزيز سيطرتها المؤسسية على الموارد ومراكز القرار، وإخضاعها لأطر قانونية ورقابية موحدة، بما يعزز كفاءة إدارة الموارد الاقتصادية والمالية والنقدية، ويحافظ على استمرارية الخدمات، مع استمرار توجيه الموارد لمتطلبات الحرب. ويتوقف هذا المسار على توافر التوافق السياسي والقدرة المؤسسية والتنفيذية.
4-سيناريو التحول التدريجي نحو التعافي الاقتصادي: يقوم على تراجع الاعتماد على آليات اقتصاد الحرب، بالتزامن مع تحسن الأوضاع السياسية والأمنية، وتوجيه الموارد تدريجيًا نحو الإنتاج والاستثمار وإعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار المالي والنقدي واستعادة وظائف الدولة الخدمية. ويتطلب هذا المسار توافر بيئة مواتية للتعافي، وتحسن الإيرادات، واستعادة النشاط الإنتاجي، وتوافر التمويل اللازم لإعادة الإعمار.
الخلاصة:
أثبتت سنوات الحرب أن زيادة الموارد في بيئة مؤسسية متشظية او ضعيفة قد لا تعني زيادة قوة المركز، بل قد تعني زيادة قوة مراكز النفوذ التي تسيطر على تلك الموارد.ومن هنا فإن القيمة الاقتصادية المحتملة للتعبئة العامة لا تكمن في زيادة حجم اقتصاد الحرب، وإنما في تغيير دالته المؤسسية؛ من اقتصاد حرب موزع بين مراكز قوة، إلى اقتصاد حرب مركزي تستطيع الدولة من خلاله تعبئة الموارد وتخصيصها وإنفاذ القرار بشأنها.لكن نجاح هذا التحول لا يتحقق بإعلان التعبئة وحده. بل يتطلب قدرة الشرعية على تحويل التعبئة من تعبئة بشرية للحرب إلى تعبئة سيادية للموارد والقرار؛ ومن ثم تحويل الرافعة الاقتصادية من مراكز النفوذ إلى مركزية الدولة، ومن ثم استخدام هذه المركزية نفسها كجسر للتحول والخروج من اقتصاد الحرب لا لاستدامته.
التوصيات:
1-توحيد إدارة الموارد: ربط التعبئة العامة بإطار مؤسسي موحد لتعبئة الموارد وتخصيصها، بما يعزز مركزية القرار ويحد من تعدد مراكز النفوذ المالي والعسكري. بداُ من توريد المرتبات والمصارفة عبر أليات البنك المركزي والخفاظ على الربط التقليدي لترتيب سعر الصرف ومرساة لإطار للسياسة النقدية عند استهداف المجاميع النقدية التشغيلية.
2-تعزيز التكامل المؤسسي: ربط التعبئة العامة بإصلاح مؤسسات الدولة وتوحيد الهياكل القيادية والإدارية، بما يضمن تحويل الموارد المتاحة إلى قدرة مؤسسية فاعلة.
3-إحكام الرقابة والمساءلة: إخضاع الموارد والإجراءات الاستثنائية المصاحبة للتعبئة لآليات قانونية ورقابية تضمن الشفافية وتحول دون تكريس اقتصاد الحرب الموازي.
4-ضمان الاستدامة الاقتصادية: مواءمة متطلبات التعبئة مع الحفاظ على الموارد الاقتصادية والخدمات الأساسية، والحد من الآثار السلبية للتعبئة على النشاط الاقتصادي والمعيشي، ورفض فتح أي صنادي مخصصة خارج أطار البنك المركزي.
5-ربط التعبئة بالتعافي المؤسسي: وضع إطار زمني ومؤسسي لمراجعة التدابير الاستثنائية وإنهائها عند انتفاء مبرراتها، بما يضمن الانتقال من اقتصاد الحرب إلى التعافي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
المراجع:
1-قانون الاحتياط العام اليمني رقم (23) لسنة 1990م.
2-الاصلاح نت، حروب الحوثيين.. حصاد سنوات الدم والنار،2024م.
3-يوسف شمسان، أثر العقوبات الاقتصادية على الأطراف المتحاربة في اليمن، المركز القومي لدراسات الشرق الاوسط 2025م.
4-يوسف شمسان، اقتصاد الحرب وأنعكاساته على إعادة الإعمار والتنمية المستدامة، معهد البحوث والدراسات العربية،2024م.
5-يوسف شمسان، ترتيب سعر الصرف وأطر السياسة النقدية في الدول النامية ومنخفضة الدخل:تقييم تجربة التعويم في ظل تقارير صندوق النقد الدولي (دراسة حالة اليمن).المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط غير منشور، 2026م.
6-Philippe Le Billon (with Joanna Macrae, Nick Leader & Roger East)The Political Economy of War: What Relief Agencies Need to Know, July 2000.
7-Karen Ballentine and Heiko Nitzschke, The Political Economy of Civil War and Conflict Transformation, 2005 Berghof Research Center for Constructive Conflict Management - Final version Apr 2005 (First launch Oct 2004).
───
[1]-high elasticity(مرونة عالية ),Houthi share=( حصة الحوثي)Shares of GDY (Y,G,)(حصىة الحكومة والحوثين من الناتج الكلي), External support(الدعم الخارجي),Government share YG(حصة الحكومة), Institutional fragmentation(التجزئ المؤسسي), low or negative elasticity(مرونة منخفضة أو سلبية), Wartime rents(الريع زمن الحرب), Total GDP (Y)( الناتج المحلي الإجمالي الكلي) .