تقدير موقف
التداعيات المحتملة على جماعة الحوثي ومشروعها الإقليمي في ظل غياب المرشد الإيراني وتصاعد الضغوط على طهران
*بندر العنابي
باحث في الدبلوماسية والعلاقات
يشهد الإقليم في المرحلة الراهنة تحولات عميقة تمس بنية النظام الإيراني وشبكة نفوذه العابرة للحدود، في لحظة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية الخارجية مع التحديات الداخلية. وفي هذا السياق، فإن غياب المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي – باعتباره مركز الثقل السياسي والديني للنظام – لا يمثل مجرد فقدان قيادة، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكل موازين القوى داخل إيران وخارجها. وتبرز جماعة الحوثي في اليمن كأحد أهم المتأثرين بهذه التحولات، نظراً لارتباطها الوثيق بالمشروع الإيراني في المنطقة، سواءً على المستوى العقائدي أو العسكري أو السياسي.
لقد تأسست العلاقة بين إيران والحوثيين على مزيج من المصالح الاستراتيجية والروابط الأيديولوجية، حيث عملت طهران على تحويل الجماعة إلى أحد أدواتها في إدارة الصراع الإقليمي غير المباشر، خاصة في منطقة البحر الأحمر وباب المندب. ومع مرور الوقت، تطورت هذه العلاقة من دعم محدود إلى شراكة وظيفية، تتيح لإيران ممارسة الضغط على خصومها دون الانخراط المباشر في المواجهة. غير أن هذه المنظومة تعتمد بشكل كبير على وجود مركز قرار قوي في طهران، قادر على التنسيق والتمويل وتوجيه العمليات ضمن إطار استراتيجي متكامل.
في هذا الإطار، فإن غياب القيادة العليا في إيران، بالتزامن مع تصاعد الضربات العسكرية التي تستهدف بنيتها الأمنية والعسكرية، يضع هذه المنظومة أمام اختبار وجودي. فالنظام الإيراني لا يقوم فقط على المؤسسات الرسمية، بل على شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والولاءات التي تتركز في موقع المرشد. وبالتالي، فإن أي فراغ في هذا الموقع يؤدي إلى اهتزاز في منظومة اتخاذ القرار، ويؤثر بشكل مباشر على قدرة إيران على إدارة أذرعها الإقليمية.
بالنسبة لجماعة الحوثي، فإن التأثير الأول لهذا التحول يظهر على المستوى الرمزي والعقائدي. فقد شكلت القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد، مرجعية معنوية للجماعة، تمنحها شرعية تتجاوز حدودها المحلية. ومن هنا، فإن غياب هذه المرجعية يخلق فجوة في الخطاب الأيديولوجي، قد تسعى الجماعة إلى ملئها عبر تصعيد الخطاب التعبوي وتكثيف سردية "المظلومية" و"المواجهة". هذا التصعيد لا يعكس بالضرورة قوة بقدر ما يعكس حاجة إلى إعادة تثبيت الهوية في لحظة اضطراب.
لكن التأثير الأكثر عمقاً يتمثل في الجانب العملي المرتبط بالدعم العسكري واللوجستي. فإيران لعبت دوراً محورياً في تطوير القدرات القتالية للحوثيين، سواءً من خلال نقل التكنولوجيا العسكرية أو التدريب أو توفير الموارد. ومع تعرض هذه الشبكات للضغط، يصبح استمرار هذا الدعم محل شك، خاصة في ظل انشغال طهران بإدارة أزماتها الداخلية والخارجية. وهذا لا يعني بالضرورة توقف الدعم بشكل كامل، لكنه قد يصبح أكثر محدودية وانتقائية، ما ينعكس على قدرة الحوثيين على الحفاظ على وتيرة عملياتهم الحالية.
ومن زاوية أخرى، فإن تراجع الدور الإيراني قد يدفع الحوثيين إلى تعزيز اعتمادهم على الموارد المحلية، وهو ما قد يؤدي إلى تغير في طبيعة سلوكهم. فبدلاً من العمل كذراع إقليمي ضمن استراتيجية أوسع، قد يتحولون إلى فاعل محلي يسعى إلى تأمين مصادر تمويله من خلال السيطرة الاقتصادية وفرض الجبايات. هذا التحول يحمل في طياته مخاطر داخلية، إذ قد يزيد من الاحتكاك مع المجتمع المحلي ويؤدي إلى تآكل الحاضنة الشعبية.
على المستوى القيادي، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في غياب التنسيق المركزي الذي كانت توفره إيران بين مكونات ما يُعرف بمحور المقاومة. فهذه الشبكة كانت تعمل ضمن إطار شبه منظم، يتيح توزيع الأدوار وتحديد الأولويات. ومع ضعف هذا الإطار، قد نشهد نوعاً من التفكك أو التنافس بين هذه الأطراف، حيث يسعى كل فاعل إلى حماية مصالحه الخاصة. وفي حالة الحوثيين، قد يترجم ذلك إلى قدر أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار، لكنه استقلال محفوف بالمخاطر في غياب مظلة استراتيجية واضحة.
وفي المقابل، قد يدفع هذا الفراغ الحوثيين إلى تبني سلوك أكثر تصعيداً على المدى القصير، في محاولة لإثبات استمرارهم كقوة فاعلة. فالتصعيد في مثل هذه الحالات لا يكون بالضرورة تعبيراً عن قوة، بل عن قلق من التراجع وفقدان التأثير. وقد يتجلى ذلك في تكثيف الهجمات على الملاحة الدولية أو استهداف مصالح إقليمية، بهدف إرسال رسالة مفادها أن الجماعة لا تزال جزءاً من معادلة الردع في المنطقة. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يستدعي ردوداً عسكرية أشد، خاصة في ظل تراجع القدرة الإيرانية على توفير الحماية السياسية والعسكرية.
ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن النظر إلى مستقبل الحوثيين من خلال ثلاثة مسارات محتملة، تتداخل فيما بينها ولا تستبعد بعضها البعض.
المسار الأول يتمثل في الانكماش التدريجي: حيث يؤدي تراجع الدعم الإيراني إلى إضعاف قدرات الجماعة، ما يدفعها إلى التركيز على الداخل اليمني وتثبيت سيطرتها المحلية. هذا المسار يعتمد بشكل كبير على مدى عمق الأزمة في إيران، ومدى قدرة المجتمع الدولي على تقليص قنوات الدعم.
أما المسار الثاني فيتمثل في التحول نحو استقلال نسبي: حيث تسعى الجماعة إلى إعادة تعريف نفسها كفاعل محلي له أجندته الخاصة، مع الاحتفاظ ببعض الروابط مع إيران. هذا السيناريو قد يمنح الحوثيين مرونة أكبر، لكنه يضعهم في مواجهة تحديات جديدة، خاصة في ما يتعلق بإدارة الموارد وبناء شرعية داخلية.
المسار الثالث وهو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير، يتمثل في التصعيد غير المتوازن: حيث تحاول الجماعة تعويض فقدان الدعم الرمزي من خلال تكثيف العمليات العسكرية. غير أن هذا التصعيد قد يؤدي إلى استنزاف قدراتها، خاصة إذا لم يكن مدعوماً بإسناد خارجي مستدام.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن جماعة الحوثي تدخل مرحلة انتقالية معقدة، تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين. فبينما توفر التحولات في إيران فرصة لإعادة التموضع، فإنها في الوقت نفسه تفرض قيوداً جديدة على الحركة والقدرة. وهذا التناقض بين الفرصة والتحدي سيحدد إلى حد كبير مسار الجماعة في المرحلة المقبلة.
على المستوى الإقليمي، فإن تراجع الدور الإيراني قد يفتح المجال أمام إعادة ترتيب موازين القوى، خاصة في منطقة البحر الأحمر التي تشكل أهمية استراتيجية للتجارة العالمية. وقد يدفع ذلك القوى الدولية والإقليمية إلى تعزيز حضورها العسكري والسياسي، بهدف احتواء أي تصعيد محتمل. وفي هذا السياق، تصبح الساحة اليمنية أكثر ارتباطاً بالتفاعلات الدولية، ما يزيد من تعقيد المشهد.
أما على المستوى الدولي، فإن هذه التطورات قد تُفسر كفرصة لإعادة إطلاق مسار التسوية السياسية في اليمن، مستفيدة من تراجع أحد الأطراف الداعمة للصراع. غير أن نجاح هذا المسار يعتمد على مدى قدرة الأطراف المحلية على الانخراط في عملية سياسية حقيقية، وهو أمر لا يزال يواجه عقبات كبيرة.
في الخلاصة، فإن غياب القيادة المركزية في إيران، مقروناً بالضغوط العسكرية المتزايدة، يشكل نقطة تحول في بنية المشروع الإيراني الإقليمي، وينعكس بشكل مباشر على جماعة الحوثي باعتبارها أحد أهم مكوناته. وبينما قد تلجأ الجماعة إلى التصعيد كاستجابة أولية، فإن الاتجاه العام يشير إلى مرحلة من إعادة التشكيل، قد تقود إما إلى انكماش تدريجي أو إلى استقلال نسبي محفوف بالمخاطر. وفي كلتا الحالتين، فإن المرحلة المقبلة مرشحة لأن تكون أكثر تقلباً، ليس فقط بالنسبة لليمن، بل للمنطقة بأسرها.
المراجع:
• الأمم المتحدة، تقارير لجنة العقوبات بشأن اليمن، متاح على: un.org.
• الجزيرة نت، "الحوثيون وإيران: علاقة الدعم والتأثير" (2023)، متاح على: aljazeera.net/encyclopedia.
• الجزيرة نت، "تقرير أممي: دعم إيران عزز قدرات الحوثيين" (2024)، متاح على: aljazeera.net.
• الجزيرة نت، "كيف سينعكس التصعيد الإيراني على الحوثيين" (يونيو 2025)، متاح على: aljazeera.net.
• العربية نت، "دور إيران في دعم الحوثيين"، متاح على: alarabiya.net.
• بي بي سي (BBC) عربي، "الحرب في اليمن"، متاح على: bbc.com/arabic.
• دي دبليو (DW) عربي، "تقرير أممي عن دعم إيران للحوثيين"، متاح على: dw.com/ar.
• رويترز (Reuters) عربي، "الحوثيون وإيران"، متاح على: reuters.com/ar/world.
• رويترز (Reuters) عربي، "تصريحات إيران بشأن الحوثيين"، متاح على: reuters.com/ar/world/middle-east.
• سكاي نيوز عربية، "إيران والحوثيون"، متاح على: skynewsarabia.com.
• مركز الإمارات للسياسات، "تقارير الشرق الأوسط"، متاح على: epc.ae.
• مركز الجزيرة للدراسات، "الحوثيون ومستقبل اليمن"، متاح على: studies.aljazeera.net.
• مركز المستقبل للأبحاث، "النفوذ الإيراني في المنطقة"، متاح على: futureuae.com.
• مركز كارنيغي للشرق الأوسط، "دراسات الشرق الأوسط"، متاح على: carnegie-mec.org.
• يمن مونيتور، "تحالفات الحوثيين الإقليمية"، متاح على: yemenmonitor.com.